الطبراني
365
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
ومعناها : وما كان اللّه ليضلّ عمل قوم وينزل قوما منزلة الضّلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبيّن لهم ما يتّقون من المعاصي ، ويقال : حتى يبيّن الناسخ من المنسوخ ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ ؛ من النّاسخ والمنسوخ ، وبكل ما فيه مصلحة الخلق ، عَلِيمٌ ( 115 ) . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ ؛ وذلك أنّ اللّه لمّا أمر المسلمين بقتال المشركين كافّة ، وكان في المشركين ملوك لا يطمع المسلمون بهم لشوكتهم وعزّهم ، أخبر اللّه تعالى أن للّه ملك السّموات والأرض ، يحيي من يشاء ويميت من يشاء ، وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ؛ يواليكم ، وَلا نَصِيرٍ ؛ ( 116 ) ينصركم . قوله تعالى : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ؛ معناه : وقد تجاوز اللّه من تولّى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إذنه للمنافقين بالتخلّف ، كما قال اللّه تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ، وتجاوز عن ذنوب المهاجرين والأنصار . وقيل : أراد بذلك قوما منهم تخلّفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم خرجوا فأدركوه في الطريق . وقوله تعالى : ( الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ ) صفة مدح لأصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم باتّباعهم إياه في وقت الشّدة في غزوة تبوك ، وكانت بهم العسرة في النفقة والرّكوب والحرّ والخوف ، وكانت الدابة الواحدة بين جماعة يتعقّبون عليها ، وكانت التمرة تشقّ بالنّصف فيأكلها الرجلان كل واحد نصفها ، وربما كانت جماعة يمصّون تمرة واحدة ، ويشربون عليها ، وربما كانوا ينحرون الإبل فيشربون من ماء كروشها في الحرّ . قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ؛ أي من بعد ما كاد تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج والجهاد ، ويقال من بعد ما كادوا يرجعون عن غزوتهم من الشدّة . قوله تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 117 ) ؛ أي ثم خفّف عنهم ما أخلفهم عن الحرب حتى كادوا يعقلون عن أنفسهم ، وهذا كقوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ . . . إلى أن قال : عَلِمَ أَنْ